السيد محمد حسين فضل الله
54
من وحي القرآن
خلالها ، فيقتلونهم ، ويسجنونهم ، ويعذبونهم ، ويظلّلونهم ، ويضغطون عليهم في مصالحهم ، وكان هؤلاء الضعفاء هم القوّة الغاشمة التي يسيطر بها الأقوياء على الضعفاء الآخرين ، ولولاهم لكان الضعفاء أقوى من المستكبرين ، لأن المستكبرين لا يمثلون عددا كبيرا في الأمة ، ولا قوّة هائلة فيها ، لأن قوتهم مستمدة من قوّة المستضعفين كما أن كثرتهم العددية ناتجة عن كثرة أتباعهم . . ولهذا كان الضعفاء يحملون كل أوزارهم التي استحقوا بها دخول النار ، لأنهم يملكون فكرا يمكّنهم من معرفة الحقيقة ، ويملكون إرادة تمكنهم من رفض الأوامر والنواهي الظالمة الطاغية ، ومواقع للقوة يستطيعون أن يبتعدوا بها عن مواقع الضعف . . فكانت مسئوليتهم في انحرافهم عن الخط المستقيم كاملة . وهكذا وقف الضعفاء أمام المستكبرين ليذكّروهم بصفة التبعية التي أعطتهم القوة التي انطلق فيها ملكهم ، وكبرت فيها سلطتهم ، وامتدت بها مواقعهم ، وأخذوا يطلبون مساعدتهم في الآخرة كما ساعدوهم في الدنيا ، ظنّا منهم أنهم يملكون موقعا ضاغطا على الواقع الأخروي كما كانوا يملكون مثل هذا الموقع في الدنيا . . فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِنَ النَّارِ فهم مقتنعون بأنهم لا يستطيعون تخليصهم من النار التي سيقعون فيها ، لذلك طلبوا منهم التدخل للتخفيف عنهم ، من قسوة عذابها . . وربما كان طلبهم ذاك ليس طلبا حقيقيا ينمّ عن اعتقادهم بقدرتهم على التدخّل ، بل كان هدفه تسجيل نقطة حادّة عليهم لأنهم كانوا سبب دخولهم النار ، من موقع دور التبعية الذي فرضوه عليهم باستغلالهم لنقاط ضعفهم . فهم يريدون أن يقولوا لهم ، في ما يوحي به هذا الاحتمال ، إذا كنتم تملكون في الدنيا القوة التي تستعرضون بها عضلاتكم المعنويّة ، فهل تملكون ذلك الآن ؟ ! ليبقى السؤال متحديا ساخرا متحركا من موقع المرارة الروحية . قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيها فليست فيها ميزة للمتبوعين على التابعين ، ولا يملك أحد منا أيّة قوّة فيها ولم يكن لنا عذر ، كما لم يكن لكم أيّ عذر في ما جنيناه أو جنيتموه